أهداف خفية لسد النهضة وأوراق اقليمية متداخلة

لاشك أن معظم الدلائل والمعطيات المتعلقة والمحيطة بإنشاء سد النهضة الإثيوبي تشير إلى أن هذا المشروع يتجاوز أهدافه المعلنة في توليد الطاقة الكهربائية، والأبعاد الفنية والأخطار الاقتصادية والمائية المتوق

أهداف خفية لسد النهضة وأوراق اقليمية متداخلة
لاشك أن معظم الدلائل والمعطيات المتعلقة والمحيطة بإنشاء سد النهضة الإثيوبي تشير إلى أن هذا المشروع يتجاوز أهدافه المعلنة في توليد الطاقة الكهربائية، والأبعاد الفنية والأخطار الاقتصادية والمائية المتوقعة، إلى ما يمكن وصفه "كمينا محكما ومخططا" للإيقاع بمصر، مائيا وسياسيا وعلى كافة المستويات، في إطار محاولات بعض الأطراف النيل من مكانتها وتهديد مستقبلها الريادي، مما يعتبر خطرا محدقا مهددا لمركزها ومحاصرا لدورها. فإذا ما كان الغرض الحقيقي المعلن لإنشاء هذا السد هو توليد الطاقة الكهربائية، فإن هذا الأمر فنيا لا يتطلب بناء سد بارتفاع 74 مترا، فثلث هذا الإرتفاع كاف جدا لتوليد الكهرباء، حسب الخبراء والفنيين. وفي إطار متابعتي عن كثب لهذا الملف الهام والحساس، يمكن القول إن بعض الأوساط الرسمية المصرية تعتقد أن أثيوبيا تسعى لأن يكون لها نفوذ سياسي وتأثير على مصر، مثلما هو حاصل الآن على كل من كينيا والصومال، علما بأن اثيوبيا قطعت المياه عن كل من البلدين بعد بنائها السدود على نهر "اومو" المشترك مع كينيا، رغم وعودها لهم بعدم المساس بحصصهم المائية. الأوساط المصرية تؤكد أن القاهرة تتحسب جيدا لهذا المُخطط، ولن تقبل أن تكون مثالا آخر من هذه الصورة، ولن تسير في فلك المخطط الاثيبوبي الذي تسعى من خلاله أديس أبابا لبيع المياه إلى مصر، ولن تشترى حصتها من مياة النيل، التي تقدر بنحو 99% من مياة الشرب. من هنا، يمكن القول إن اثيوبيا ليست إلا مجرد أداة للتأثير على مصر والتحكم بها بغرض إخضاعها، لأن مصر بثقلها ومكانتها تقف حجر عثرة أمام المشروع الصهيوني في المنطقة، وستظل القوى التي تدعم هذا المشروع تتربص بمصر ولن تتوقف عن حيك المؤامرات سعيا منها لأن يحل الخراب بمصر، خاصة بعد أن تمكنت من تدمير سورية وتفتيت العراق، الدولتين الأهم في المنطقة بعد مصر، التي ستكون أهلا لمواجهة المؤامرات والتصدي لها، فهناك حقيقة يدركها الداني والقاصي وهي أنه بدون مصر ليست هناك أمة عربية. وبالرغم من أن البيت الأبيض دعم لجوء مصر إلى مجلس الأمن لحل خلافاتها مع إثيوبيا في ملف سد النهضة، واعتبرها خطوة في الإتجاه الصحيح، إلا أن غياب إثيوبيا عن حضور الجولة الأخيرة لمفاوضات واشنطن، برعاية الإدارة الأمريكية والبنك الدولي كمراقبين، في شهرفبراير(شباط)  الماضي، والتي كان من المرجح أن يتم خلالها التوقيع على اتفاق نهائي بخصوص السد، أعقبت زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى اثيوبيا قبل موعد هذه الجولة بحوالي العشرة أيام، وقبيل مغادرته أديس بابا، أدلى بتصريح مريب حول مفاوضات سد النهضة قال فيه: "إن أطراف اتفاق سد النهضة يقتربون من النهاية، لكن لايزال هناك قدر كبير من العمل ينبغي القيام به، لكنني متفائل بأنه يمكننا خلال الأشهر المقبلة التوصل إلى حل". وعقب عودة بومبيو إلى واشنطن بدأت اثيوبيا بإرسال إشارات سلبية عبر تصريحات وتسريبات معظمها يدور حول أن هناك قضايا في ملف سد النهضة لازالت عالقة، والأمر يحتاج إلى مزيد من المفاوضات. وعشية جولة واشنطن الأخيرة من المفاوضات حول إجراءات ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، أعلنت أديس أبابا انسحابها وعدم تمكنها من المشاركة في المفاوضات، "نظرا لاستمرار مشاوراتها الداخلية حول نتائج الاجتماع الأخير ومسودة الإتفاق" (خلال الجولة التي انتهت في 15 فبراير شباط الماضي)، رغم أنه كان من المقرر خلال هذه الجولة وضع اللمسات الأخيرة على مسودة الإتفاق الخاص بسد النهضة. لا أريد الربط بين زيارة وزير الخارجية بومبيو إلى أثيوبيا ومقاطعة أديس أبابا لمفاوضات واشنطن، لكنى أجزم، كما لا يخفى على الجميع، أن سياسات واشنطن التي تتعلق بمنطقتنا (الشرق الأوسط) تكون دوما لإسرائيل اليد الطولى في رسمها وفقا لمصالحها الاستراتيجية، مدعومة من الادارة الاميركية. وأضيف إلى ذلك أن دولا خليجية، من بينها قطر، ضالعة في تمويل السد الاثيوبي، إذ لم يسبق لمعظم هذه الدول الخليجية أن دفعت أموالا ضخمة في تمويل مشاريع عملاقة بحجم سد النهضة من بنات أفكارها أو وفقا لقراراتها الذاتية، إن لم يكن على الأقل بضوء أخضر أمريكي وبتنسيق إسرائيلي. وهنا لابد أيضا من الإشارة إلى دور يهود "الفلاشا" ذي الأصول الإثيوبية الذين أصبحوا جزءا لايتجزأ من دولة إسرائيل، بل وخدموا في المؤسسة العسكرية وباتوا شركاء في المشروع الصهيوني، ويبلغ عددهم حوالي 150 ألفا أكثر من نصفهم ولدوا في إسرائيل وأصبح بعضهم ذوي شأن، وأعداد كبيرة من هؤلاء عادوا إلى أثيوبيا، لكن علاقاتهم بإسرائيل مستمرة بل وهناك تنسيق معها، وبعضهم يعملون في مراكز حساسة ولهم دور كبير في رسم سياسات الدولة  الإثيوبية.  أيضا لا يمكننا إغفال تراكم بعض الموروثات لدى الإثيوبيين تجاه مصر عبر التاريخ، من قبيل تحميل مصر مسؤولية تراجع تدهور أوضاع إثيوبيا وفقر شعبها، ومن هنا فالنوايا الخبيثة لأثيوبيا ليست وليدة اليوم فقط، حيث تحاول أن تكون قوة إقليمية في أفريقيا، وأن يكون لها دور قيادي، عبر احتكار مياه نهر النيل، ومن ثم التحكم في مصر، الذي تعتبره إثيوبيا البلد الأكثر استفادة من مياه النيل، رغم أنها تستأثر بحصص ضخمة من مياه أمطار الهضبة الإثيوبية، كما حباها الله بعدة أنهار وبحيرات، فيما مصر تتعتمد على نهر النيل فقط كمورد أساسي لحياة شعبها. صحيح أن الضبابية لا تزال تلف حيثيات وآليات العمل السياسي والفني في هذا الملف الحساس والهام والذى يشغل بال كل مواطن مصري، بل وكل عربي حر وأصيل ووطني وقومي، لكن ما اتيقن منه هو أن القيادة المصرية بكل مستوياتها، والتى تجمع بين القوة العسكرية والحنكة الدبلوماسية والسياسية، قادرة مع أطراف المجتمع الدولي، وعبر كل الأدوات المتاحة على إيجاد حل عادل لهذه الخلافات على أساس عدم الانتقاص من أي من الحقوق المصرية، حيث كانت ولا تزال البوصلة المصرية في هذا الاتجاه على الدوام. * صحفية وكاتبة من أسرة "دار الحياة"